التغيير عملية من أشق العمليات على النفس البشرية, لان النفس بطبيعتها تميل الى الكسل والدعة والانصياع الى الشهوات والاهواء ومجاراة الوضع القائم والابتعاد عن مواطن الاذى.
لقد جبل الله الانسان على حب الوصول الى ما يحب بسرعة وعجلة, فإذا استبطأ الوصول للهدف- مع تلبسه الصادق المنتج لتحقيق الهدف- ظن انه يقفز في المكان وان الناس لا امل فيهم وانه لا يتقدم شيئا, فيُصاب قصير النظر هذا باليأس.
رحم الله سميًة وياسر, اللذان شمّا رائحة الجنة ووثقا بالله ووعده ولم ينتظرا ان تكتحل اعينهم بيوم يعيشون فيه في ظلال النصر والتمكين كما يدعو الواحد منا اليوم, فعندما ابتليا رضي الله عنهما كانا كما يجب ان يكون المؤمن حقا, نسال الله العفو والعافية والثبات وحسن الختام.
ان ادعو الله ان يمتعني بالعيش في ظلال الخلافة جيد, ولكن الاجود ان ادعو الله ان يرضى عني ويتوفني مسلما صادق الايمان مستقيما على امره في اللحظة التي احياها والقيام بالتكليف الشرعي لهذه اللحظة ولو ادت الى الموت في بداية الطريق او وسطه ولو لم تكتحل العيون برؤية الخلافة.
إن خير جيل عمل للتغيير هو جيل الصحابة الكرام بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان الواحد منهم يتلبس بالدعوة ولا يبالي اعاد من مهمته التي توكل اليه حيا ام لا, رأى النصر ام لم تكتحل به عيناه.
كانوا رضي الله عنهم اذا نادى المنادي للجهاد القوا نفوسهم في مهاوي الردى, كلهم يتسابق الى الشهادة لا بيالون اوقعوا على الموت ام الموت وقع عليهم, فارواحهم تغمرها الروحانية والاحساس الفكري بها تذوقوا طعمها وتلذذوا بمشاقها ابتغاء المحبوب الاعلى. فينطلقون يطلبون الشهادة والموت ولا يطلبون ان تكتحل عيونهم بالنصر ليلمس من كتب الله له منهم الحياة النصر لان الله لم يختصه بالشهادة بعد ان تلبس بحالاتها بجدّ وصدق تاميّن. كانوا يدركون انها احدى الحسنيين ولكنهم كانوا يطلبون من الله ان يصطفيهم شهداء.
عن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص ، حدثني أبي أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد : الا تأتى ندعو الله , فخلوا في ناحية فدعا سعد ـ رضي الله عنه ـ فقال ـ يا رب إذا لقينا العدو غدا فلقني رجلا شديدا بأسه ، شديدا حرده ، أقاتله ويقاتلني ، ثم ارزقني الظفر عليه حتى اقتله ، وآخذ سلبه ، فامن عبد الله ، ثم قال : اللهم أرزقني غدا رجلا شديدا بأسه شديدا حرده فأقاتله ويقاتلني ثم يجدع أنفي وأذني ، فإذا لقيتك غدا قلت لي : يا عبد الله . فيم جدع أنفك وأذناك ؟ فأقول : فيك وفي رسولك ، فتقول : صدقت ، قال سعد : كانت دعوته خيرا من دعوتي ، فلقد رايته آخر النهار وان انفه وأذنه لمعلقة في خيط . سير أعلام النبلاء م1 ص 114 وقال عنه الذهبي : صحيح مرسل .
فالعبرة ليس النصر على الأعداء بل الأخذ بأسبابه وإعداد العدة وشروطه هي الأهم ونيل رضي الله سبحانه, وهنا يأتي الاختلاف بين كل مسلم وأخر, فمنهم من يخرج لدنيا زائلة وغنيمة فانية, وأخر يقاتل ليُقال عنه شجاع, وأخر يكسر جفن سيفه يرمي بنفسه في صفوف الكفار ملثّم وجهه, جعل قتاله لوجه الله الكريم لا يريد من أحدٍ جزاءً ولا شكورا, بل يرغب فيما عند الله وما عند الله خيرٌ وأبقى.
فقائد الجيش كان يعد اعدادا ماديا لصناعة النصر وكانه- اكرر وكانه- لايعتمد على قوة غير قوة اعداده لان الله امره بذلك, ولكن بعد الاعداد يتدافع الجنود للموت فينصرهم الله بعد ان يصطفي منهم الشهداء.
وفي جميع الحالات كان قبل العمل ومع العمل وبعد العمل يتوكل على الله ويلجأ الى قوته ليكون له عونا ومثبتا ونصيرا.
هذه هي ضالتنا وحلقتنا المفقودة في طريق التغيير "حب الموت وكراهية الدنيا", الاستعداد الشخصي للتضحية والتلبس بحالاتها ابتغاء وجه الله.
ففي اللحظة التي انتصر فيها المسلم على المخذلات الفطرية في النفس والمثبطات في المجتمع التي تدعو الى التثاقل الى الارض يتحقق النصر.
وبدوام تعهد الذات ومحاسبتها واطرها على الحق اطرا لتكون جاهزة للتنفيذ والاشتغال في اية لحظة دون تفلسف وتثاقل وبرود يتحقق النصر.
في هذه اللحظة وباستمرارها اكون قد عثرت على الحلقة المفقودة في صناعة النصر سواء حصلت في بداية الطريق او وسطه او آخره.
وكلما تفشى بين المسلمين " حب الموت في سبيل الله وكراهية الدنيا الزائلة الفانية" كلما قرُب النصر وحصل التغيير وأقيمت النهضة بقيام دولة الخلافة الاسلامية.رحم الله سميًة وياسر, اللذان شمّا رائحة الجنة ووثقا بالله وو
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ